أبي منصور الماتريدي

42

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

وتشتهى . وإذا شبعت تمنت الشهوات ، وتتمنى ما تهوى . ويحتمل : تَتَّقُونَ عذاب الله وعقابه . والله أعلم . وقوله : فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ . ألزم بعض الناس على المريض والمسافر قضاء عدة الأيام وإن صاموا ، فاستدلوا بظاهر الآية فقالوا : أوجب عليهم القضاء على غير ذكر الإفطار فيها . واحتجوا أيضا بما روى عن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، أنه قال : « الصائم في السفر كالمفطر في الحضر » « 1 » ، فقد حقق له حكم الإفطار في أن لا صوم له ؛ فدل أنه لم يجز ، فكان كتقديم الصوم عن وقته . وأما عندنا : فهو على إضمار الإفطار ، كأنه قال : فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فأفطر ، فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ . وهو كما ذكر عزّ وجل في المتأذى : فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ [ البقرة : 196 ] ، أي : من كان به أذى فرفع من رأسه ففدية . وكما قال في المضطر : فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ [ البقرة : 173 ] ، ومثله كثير في القرآن . فلا يجوز لأحد أن يأتي ذلك ، ولأن المرض والسفر أعذار رخص الإفطار فيها تخفيفا وتوسيعا على أربابها ، فلو كان على ما قال هو لكان فيه تضييق عليهم ؛ ولأنه إذا قضى في عدة من الأيام إنما يقضى عن ذلك الوقت ، فلو لم يجز الفعل في ذلك الوقت وفي تلك الحال ، لكان لا يأمر بالقضاء عن ذلك الوقت ولا عن تلك الحال ؛ فدل أنه على ما ذكرنا . والله أعلم . وأصله : ما روى عن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، أنه صام في السفر « 2 » ، وروى أنه أفطر « 3 » ، وروى عن الصحابة ، أنهم صاموا في السفر « 4 » . ولو كان لا يجوز لكان لا معنى لصومهم .

--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) في الباب عن أبي الدرداء : أخرجه البخاري ( 4 / 692 ) كتاب الصوم ( 1945 ) ، ومسلم ( 2 / 790 ) ، كتاب الصيام ، باب التخيير في الصوم ( 108 / 1122 ) من طريق أم الدرداء عنه قال : « خرجنا مع النبي صلى اللّه عليه وسلم في بعض أسفاره في يوم حار حتى يضع الرجل يده على رأسه من شدة الحر وما فينا صائم إلا ما كان من النبي صلى اللّه عليه وسلم وابن رواحة » . ( 3 ) في الباب عن ابن عباس : أخرجه البخاري ( 1944 ) ، ومسلم ( 88 / 1113 ) من طريق عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عنه أن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم خرج إلى مكة في رمضان فصام حتى بلغ الكديد أفطر فأفطر الناس . ( 4 ) في الباب عن أنس بن مالك : أخرجه البخاري ( 1947 ) ، ومسلم ( 98 / 1118 ) من طريق حميد الطويل عنه قال : كنا نسافر مع النبي صلى اللّه عليه وسلم فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم .